فصل: من لطائف وفوائد المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من لطائف وفوائد المفسرين:

.قال في ملاك التأويل:

قوله تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا كذلك كذب الذين من قبلهم}، وفى سورة النحل: {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم}.
للسائل أن يسأل عما اختلف في هاتين الآيتين مع أن المقصود واحد؟
والجواب عن ذلك والله أعلم أنه لما تقدم آية الأنعام قوله تعالى: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر} وهذا إخبار عن بنى إسرائيل فيما حرم عليهم ثم ورد بعدها قوله تعالى: {قل هلم شهدائكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا} وهو خطاب لهم أيضا، فقد اكتنف الآية المذكورة ما مرجعه إلى بنى إسرائيل فيما حرم عليهم وما ألحقوه بذلك تحريفا وتبديلا ووردت الآية المتكلم فيها مورد ما يرد من الجمل الاعتراضية لاتصال ما بعدها بما قبلها، فلم يكن ليلائم ذلك الاسهاب وطول الكلام إذ الوجه فيما يرد اعتراضا أن يؤخر وأما آية النحل فلم يتقدمها خطاب لغير العرب مؤمنهم وكافرهم وقد أطنب في تذكيرهم ووعظهم، وقد بسط لهم ذكر نعم ودلائل، فناسب ذلك الاسهاب الوارد فيها من قوله: {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء} ولم يكن ليناسب آية الأنعام ما ورد هنا، ولا الوارد هنا ذلك الإيجاز، والله سبحانه أعلم. اهـ.

.قال الشنقيطي:

قوله تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} الآية.
هذا الكلام الذي قالوه بالنظر إلى ذاته كلام صدق لا شك فيه؛ لأن الله لو شاء لم يشركوا به شيئا ولم يحرموا شيئا مما لم يحرمه كالبحائر والسوائب وقد قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا}، وقال: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا}، وقال: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى}، وإذا كان هذا الكلام الذي قاله الكفار حقا فما وجه تكذيبه تعالى لهم بقوله: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ}، ونظير هذا الإشكال بعينه في سورة الزخرف في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ}.
والجواب أن هذا الكلام الذي قاله الكفار كلام حق أريد به باطل فتكذيب الله لهم واقع على باطلهم الذي قصدوه بهذا الكلام الحق، وإيضاحه: أن مرادهم أنهم لما كان كفرهم وعصيانهم بمشيئة الله وأنه لو شاء لمنعهم من ذلك فعدم منعه لهم دليل على رضاه بفعلهم فكذبهم الله في ذلك مبيّنا أنه لا يرضى بكفرهم كما نص عليه بقوله: {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ}، فالكفار زعموا أن الإرادة الكونية يلزمها الرضى وهو زعم باطل بل الله يريد بإرادته الكونية ما لا يرضاه بدليل قوله: {خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} مع قوله: {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} والذي يلازم الرضى حقا إنما هو الإرادة الشرعية والعلم عند الله تعالى. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال ابن عادل:
قوله: {وَلاَ آبَاؤُنَا} عَطْف على الضَّمِير المَرْفُوع المتَّصِل، وزعم سيبويه: أن عطف الظَّاهر على المُضْمَر المْفُوع في الفِعل قبيحٌ، فلا يَجُوز أن يُقال: قمت وزيْد؛ لأن المَعْطُوف عليه أصْلٌ والعَطْف فَرْع المُضْمَر، والمُظْمَر، والمُظْهَر قويٌّ فحعله فَرْعًا للضَّعِيف لا يَجُوز، وإذا عُرِف هذا فَنَقُول: إن جَاء الكلامُ في جَانِب الإثْبَاتِ؛ وجب تَأكيد المُضْمَر فنقول: أنا وَزيْد، وإن جاء في جَانِب النَّفْي قلت: ما قُمْتُ ولا زَيْد وإذا ثَبَتَ هذا؛ فنقول: قوله: {لَوْ شَاءَ الله مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا} فعطف قوله: {ولا آباؤُنَا} على فَاعِل الضَّمِير في قوله: {ما أشْرَكْنَا} ولم يأتِ هنا بتأكيد بِضَمِير رَفْع مُنْفَصِل، ولا فَاصِل بين المُتعاطِفَيْن اكتفاء بُوجُو لا الزَّائِدة للتَّأكيد فَاصِلة بين حَرْف العَطْفِ والمَعْطُوف، وهذا هو على قَوَاعِد البَصْرِيِّين، وأمّا الكُوفِيُّون فلا يَشْتَرِطُون شَيْئًا من ذلك، وقد تقدَّم إتْقَان هذه المَسْألة.
وفي هذه الآية لم يُؤكِّد الضمير، وفي آية النَّحْل أكّدَ؛ فقال تعالى: {مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ ولا آبَاؤُنَا} [النحل: 35] وهناك أيضًا قال: {مِن دُونِه} مَرَّتين وهنا قَالَها مرة واحدة، فقال أبُو حيَّان: لأن لَفْظ العِبَادة يَصِحُّ أن يُنْسَب إلى إفْرَاد اللَّه بها، وهذا لَيْس بِمُسْتَنْكر، بل المُسْتَنْكِر عبادة غَيْر اللَّه، أو شيء مع اللَّه، فناسب هنا ذِكْر {مِن دُونه} مع العِبَادة، وأمّا لَفْظ {مَا أشْرَكْنَا} فالإشْرَاك يدلُّ على إثْبَات شَرِيكٍ، فلا يتركَّبُ مع هذا الفِعْل لَفْظ {مِن دُونهِ} لو كان التَّرْكِيب في غَيْر القُرْآن: ما أشْرَكْنا من دُونه لم يَصِحَّ المَعْنَى.
وأمّا {مِن دُونه} الثَّانية، فالإشْرَاك يَدُلُّ على تَحْرِيم اشْياء وتحليل أشياء، فلمْ يَحْتَج إلى لفظ {مِن دُونِهِ} وأمّا لفظ العِبَادة فلا يَدُلُّ على تَحْرِيم شَيْءٍ كما يدلُّ عليه لفظ أشْرَك فَقُيِّد بقوله: {مِنْ دُونِهِ} ولما حَذَف {مِن دُونِهِ} هنا نَاسب أن يُحْذَف {نَحْن} ليطرد التَّرْكيب في التَخفيف.
قال شهاب الدِّين: وفي هذا الكلام نَظَر لايَخْفَى.
قوله: {مِن شَيْءٍ} {مِنْ} زائدة في المَفْعُول، أي: ما حَرَّمْنا شَيئًا، و{من دُونِه} متعلِّق بـ {حرّمنا} أي: ما حَرَّمنا من غير إذْنه لَنَا في ذلِك.
قوله: {وكذلك} نعت لِمَصْدر مَحْذُوف، أي: مثل التَّكْذِيب المُشَار إليه في قوله: {فإن كَذَّبُوك}.
وقُرئ: {كَذَب} بالتَّخْفِيف.
وقوله: {حَتَّى ذَاقُوا} جاء به لامْتِداد التكْذيبن وقوله: {مِنْ عِلْم} يحتمل أن يَكُون مُبْتَدأ و{عِنْدَكم} خبر مُقدَّم، وأن يكون فَاعِلًا بالظَّرْف؛ لاعتماده على الاسْتِفْهام، و{مِنْ} زائِدة على كِلاَ التَّقْدِيريْن.
وقرأ النَّخْعِي وابن وثاب: {إن يتِّبِعُون} بياء الغَيْبَة.
قال ابن عطيَّة وهذه قِرَاءة شاذَّة يُضَعِّفها قوله: {وإنْ أنْتُم إلا تَخْرُصُونَ} يعني: أنه أتى بَعْدَها بالخِطَاب فبعُدت الغَيْبَة، وقد يُجَاب عنه بأنَّ ذلك من بَابِ الالتِفَات. اهـ.

.تفسير الآية رقم (149):

قوله تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما انتفى أن يكون لهم حجة، وثبت أن الأمر إنما هو لله، ثبت أنه المختص بالحجة الواضحة، فقال مسببًا عن ذلك: {قل فلله} أي الإله الأعظم وحده. أي التي بلغت أعلى درجات الحق قوة ومتانة وبيانًا ووضوحًا ورصانة بسبب أنه شامل العلم كامل القدرة كما أقررتم بذلك حين قلتم ولو شاء الله ما أشركنا وإن كنتم قلتموه على سبيل الإلزام والعناد لا لأجل التدين والاعتقاد {فلو شاء} أي الله: {لهداكم} أي أنتم ومخالفيكم {أجمعين} ولكنه لم يشأ ذلك، بل شاء هداية بعض وضلال آخرين، فوقع ذلك على الوجه الذي شاءه، فلزم على قولكم أن يكون الفريقان محقين، فيكون الشيء الواحد حقًا غير حق في حال واحد، وهذا لا يقوله عاقل، ويلزمكم على ذلك أيضًا أن توالوا أخصامكم ولا تعادوهم وإن فعلوا ما فعلوا، لأنه حق رضى الله لأنه بمشيئته وأنتم لا تقولون ذلك، فبطل قولكم فثبت أنه قد يشاء الباطل لأنه لا يسأل عما يفعل ويرسل الرسل إليكم لإزالته ليقيم بهم الحجة على من يريد عقابه على ما يتعارفه الناس بينهم، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

احتج أصحابنا على قولهم الكل بمشيئة الله تعالى بقوله: {فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} فكلمة لو في اللغة تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فدل هذا على أنه تعالى ما شاء أن يهديهم، وما هداهم أيضًا.
وتقريره بحسب الدليل العقلي، أن قدرة الكافر على الكفر إن لم تكن قدرة على الإيمان فالله تعالى على هذا التقدير ما أقدره على الإيمان، فلو شاء الإيمان منه، فقد شاء الفعل من غير قدرة على الفعل، وذلك محال ومشيئة المحال محال، وإن كانت القدرة على الكفر قدرة على الإيمان توقف رجحان أحد الطرفين على حصول الداعية المرجحة.
فإن قلنا: إنه تعالى خلق تلك الداعية فقد حصلت الداعية المرجحة مع القدرة، ومجموعهما موجب للفعل، فحيث لم يحصل الفعل علمنا أن تلك الداعية لم تحصل، وإذا لم تحصل امتنع منه فعل الإيمان، وإذا امتنع ذلك منه، امتنع أن يريده الله منه، لأن إرادة المحال محال ممتنع، فثبت أن ظاهر القرآن دل على أنه تعالى ما أراد الإيمان من الكافر، والبرهان العقلي الذي قررناه يدل عليه أيضًا، فبطل قولهم من كل الوجوه، وأما قوله: تحمل هذه الآية على مشيئة الإلجاء فنقول: هذا التأويل إنما يحسن المصير إليه لو ثبت بالبرهان العقلي امتناع الحمل على ظاهر هذا الكلام، أما لو قام البرهان العقلي على أن الحق ليس إلا ما دل عليه هذا الظاهر، فكيف يصار إليه؟ ثم نقول: هذا الدليل باطل من وجوه: الأول: أن هذا الكلام لابد فيه من إضمار، فنحن نقول: التقدير: لو شاء الهداية لهداكم، وأنتم تقولون التقدير: لو شاء الهداية على سبيل الإلجاء لهداكم، فإضماركم أكثر فكان قولكم مرجوحًا.
الثاني: أنه تعالى يريد من الكافر الإيمان الاختياري، والإيمان الحاصل بالإلجاء غير الإيمان الحاصل بالاختيار، وعلى هذا التقدير يلزم كونه تعالى عاجزًا عن تحصيل مراده، لأن مراده هو الإيمان الاختياري، وأنه لا يقدر ألبتة على تحصيله، فكان القول بالعجز لازمًا.
الثالث: أن هذا الكلام موقوف على الفرق بين الإيمان الحاصل بالاختيار، وبين الإيمان الحاصل بالإلجاء.
أما الإيمان الحاصل بالاختيار.
فإنه يمتنع حصوله إلا عند حصول داعية جازمة، وإرادة لازمة فإن الداعية التي يترتب عليها حصول الفعل، إما أن تكون بحيث يجب ترتب الفعل عليها أو لا يجب.
فإن وجب فهي الداعية الضرورية، وحينئذ لا يبقى بينها وبين الداعية الحاصلة بالإلجاء فرق وإن لم تجب ترتب الفعل عليها، فحينئذ يمكن تخلف الفعل عنها، فلنفرض تارة ذلك الفعل متخلفًا عنها، وتارة غير متخلف، فامتياز أحد الوقتين عن الآخر لابد وأن يكون لمرجح زائد فالحاصل قبل ذلك ما كان تمام الداعية، وقد فرضناه كذلك، وهذا خلف، ثم عند انضمام هذا القيد الزائد إن وجب الفعل لم يبق بينه وبين الضرورية فرق، وإن لم يجب افتقر إلى قيد زائد ولزم التسلسل، وهو محال فثبت أن الفرق الذي ذكروه بين الداعية الاختيارية وبين الداعية الضرورية وإن كان في الظاهر معتبرًا، إلا أنه عند التحقيق والبحث لا يبقى له محصول. اهـ.

.قال السمرقندي:

قوله تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة} يعني: الحجة الوثيقة وهو محمد عليه السلام والقرآن.
فبيّن لهم ما أحلّ لهم وما حرم عليهم {فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} يعني: لو شاء لوفَّقكم لدينه، وأكرمكم بالهدى لو كنتم أهلًا للإسلام، ولكن لم يوفقهم لأنهم لم يجاهدوا في الله حق جهاده. اهـ.

.قال ابن عطية:

ثم أعقب تعالى أمره نبيه صلى الله عليه وسلم بتوقيف المشركين على موضع عجزهم بأمره إياه بأن يقول مبينًا مفصحًا {فلله الحجة البالغة} يريد البالغة غاية المقصد في الأمر الذي يحتج فيه، ثم أعلم بأنه لو شاء لهدى العالم بأسره.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذه الآية ترد على المعتزلة في قولهم إن الهداية والإيمان إنما هي من العبد لا من الله، فإن قالوا معنى {لهداكم} لاضطركم إلى الهدى فسد ذلك بمعتقدهم أن الإيمان الذي يريد الله من عباده ويثيب عليه ليس الذي يضطر إليه العبد، وإنما هو عندهم الذي يقع من العبد وحده. اهـ.